بودكاست | أصوات من تحت الركام الشهادة الثامنة والثلاثون (إحنا قويين أمام أولادنا،بس من جوا تعبانين)
إبراهيم جابر محمد أبو دحروج
٣٥ سنة
ساكن في منطقة دير البلح
بجانب مستشفى الأقصى
أنا مصمم جرافيك
ومصور بلدية دير البلح
في العلاقات العامّة بلدية دير البلح
اللي صار بدايةً
إنّه طلبوا إخلاءنا
فاحنا أخلينا المكان
إخواني ذهبوا إلى أكثر من مكان
أنا توجهت إلى بيت نسايبي
في دير البلح منطقة الحكر
على أساس نبحث عن الأمان
ونبحث عن الأماكن الآمنة
ما فش فيها أي خطر وتهديد
الآن جلسنا لمدة تقريباً
أسبوع أسبوعين
في عند بيت نسايبي
وكنت بمارس عملي
بتوجه للبلدية وبتحرك
وبنغطي شغل البلدية
لإنّه هذا شغل مهم
كنا جالسين في البيت
قرايبنا معنا
وأولادنا معنا
فقبل موعد النوم
طلعنا الصغار على الطابق الأول
وبقينا أنا وعديلي ونسيبي في الغرفة لحالنا
فلذلك فتحت اللاب توب الخاص فيّ
وقعدنا نتذكر صور ما قبل الحرب
كان في بيننا عزايم
وطلعات
بس كنا مبسوطين
وكيف كانت الحياة جميلة ورائعة
واتذكرنا الأيام الحلوة
فنفسيتي تحسنت تقريباً يعني
وانبسطنا وضحكنا ع الصور والمواقف اللي صارت معنا
احنا قويين أمام أولادنا صحيح
مشان نعززهم
ونصمدهم بس والله احنا من جوا تعبانين
وسكرت اللاب توب وحطيته في الشنطة
هذا آخر شيء أنا أذكره
ففجأة الدنيا طفت
أو أنا الدنيا صارت سوداء في وجهي
ما وعيت إلّا وأنا في مستشفى الأقصى
فأول إشي أنا أذكره بعد القصف لما فقت
إنّه أنا الصورة كانت ضبابية
أنا شايف أشخاص وبعرفهم
بس الصورة نفسهم مش ثابتة
يعني كأنه صورهم أطياف
فأنا مش ابن خالتي كان ماسك إيدي عشان يواسيني
إيدي الشمال
مش حاسّ نهائياً بإيدي اليمين
أنا إنسان بشتغل بإيدي اليمين في كل حياتي
وبقول ليش الحلم
قلت يا رب يكون حلم
هذا ما أذكره
وغبت بعديها كمان عن الوعي
كمان مرة
التنفس
كان صعب بالنسبة إلي
تمي بيخرج منه دم
هذا اللي شفته أنا
في مشاهد اختفت من رأسي الحين
أنا مش قادر أذكرها
لأنه أنا كان في برأسي غرز
يعني في اشي في رأسي كمان
وفي اشي بظهري
وفي اشي بغير إيدي
وفي شظية في رجلي
حاولت أوقف
أغمى عليّ
فلأنه أنا كان وضعي خطير
فكان كل يوم بدخل عمليّة
كل يوم كل يوم
كل يوم بنج كل يوم بنج عمليّة
أنا ما إجيتش في إسعاف
أنا جابوني في سيارة تندر
سيارة نقل الخضرة هذه
وعلى حصيرة
حصيرة فيها مسامير
وفيها شظايا وفيها كذا
ونزلوني في الأقصى
الآن بيحكولي إخواني عن مشهد
اللي صار المؤلم الأكثر
إنّه الدكتور
عشان إيدي اليمين
من جهة
من الكوع وفوق
ما فش فيها عظم
ولا فيها فيها لحم
وظل فيها جلدة ماسكة الإيد
الدكتور
قال جلد إيش ظايل
هات مقص وقص
وهذا كان أسوأ قرار شفته بحياتي
ولكن واحد من إخواني اللي كانوا موجودين
قالوا له
قال له ممنوع
ممنوع تقص إيده بالمرّة وكذا
صدفةً واحد من أولاد خالتي
اللي كانوا موجودين
حكالي إبراهيم حرّك إيدك
أنا بعرفش كيف سمعته
وحركت أصابعي
تخيلوا إنّه هذه الجلدة
اللي ضايلة في الإيد
طلع فيها كل العصب
تبع تحرك الإيد
فلمّا حركت أصبعي
الزلمة سكرّ إيدي
وثاني يوم الصبح
كان سبحان الله
موجود وفد أردني فرنسي
هذه نقطة مهمة
هذه نقطة مهمة إنّه إحنا نحكي
انه احنا عنا وضع طبي سيء
جداً
مش لأنه الدكاترة اللي عنا سيئين
لا بالعكس
هم نفسهم يخدموا
بس فش عنا الإمكانيات
وكثير دكاترة هاجروا
ودكاترة اتصاوبوا
فبدنا إحنا
هذا الموضوع يعني
حدا يتحرك بهذا الإتجاه
المنزل كان مدني بالكامل
وكان مليئ بالأطفال
فنتيجة القصف هذا
كانوا في أولاد نسيبي
موجودين في الغرفة اللي ورانا
استشهدت زوجته وثلاثة من أطفاله
ولدين وبنت
البنت اللي تصاوبت
أصلاً كانت متصاوبة
بنستنى موعد سفرها
متصاوبة في رجليها
وبنستنى بسفرها
بنستنى إلها موعد سفر
وودعناها عشان تسافر
كان المفروض تسافر السبت
ولكن سافرت الجمعة
رب كريم
بقيت من العيلة طفلة صغيرة
اسمها حور أبو نصير
هي طفلة عمرها سنة ونصف
بقي من جسمها إيد بترت
وإيد بقي فيها إصبعين
وكانت يعني قصة مؤلمة لأبوها
وأبوها تصاوب إصابة بليغة
وأنا عديلي استشهد
فبنقدر نقول خمسة استشهدوا في المكان
البيت أصبح غير هائل للسكن
مع إنّه هو في أربع عائلات خمسة
وكل عائلة عندها خمس أطفال
فعدد كبير من الأطفال
يعني هذا كان منزل آمن إلنا
في لحظة تحول لمنزل رعب
وخوف ع الأطفال
والأطفال نفسيتهم تدمرت
ونفسيتهم تعبت
وهذا شو بده يفهمهم الأطفال
شو بده يفهمهم الأطفال
انه احنا ناس مدنيين
وبيت كله أطفال
ايش بدنا نفهمهم
ايش نقول لهم
ايش نقول للأطفال
ليش انقصفنا؟
ايش نرد عليه نقوله
ليش انقصفنا
أنا مش عارف ليش انقصفنا
طب هذه حياة!
طب عايشين اه
طب عايشين طبيعين
لأ
عايشين في حسرة
وفي خوف
وعنا العيد مرّ
مرّ مأساة العيد
شو بدنا نعمل
طب احنا الكبار فاهمين الظروف
طب شو بده يفهم الأولاد الصغار
الطفولة شو بده يفهمهم
الطفولة انه هذه مناسبة
بستنوا العيد استنيّ
يلبسوا وكذا
ويشتريلوا شغلات
احنا ناس مدنيين
أنا تصاوب في شغلي عشرة شباب
كلهم مدنيين
زملائي في الشغل
احنا بنشتغل في البلدية
مؤسسة خدماتية بنخدم الناس
ليه؟
فش اشي يتصوره العقل
يسمح انه يقول اه والله هذا اقتلوا مدنيين
فش حدا بسمح في الكلام هذا
هدف إبادة جماعيّة، وتطهير عرقي
وهذا محرّم دولياً
والمفروض الحقوق الدوليّة تحفظ هذا الحق
لأنه واضح للعين كله انه
واضح بده يهجرنا
طب بنهاجر بنروح وين
بنرجع للتهجير كمان مرة
أصبح الآن بالنسبة إلنا لما تسمع خبر إنّه في قصف
واستشهد فيه اثنين
أقل من خمسة
بتحسه خبر عادي
لعند عشرين خبرعادي
تخيّل؟
عشرين شخص
عشرين حلم
عشرين قصة
عشرين قصة حياة
عشرين قصة نجاح
كان ممكن إنّه تكمل
كان ممكن يغيروا المستقبل
إحنا مش أرقام
همي بيتعاملوا على إنّه أرقام
عشرين ثلاثين
لا مش أرقام
عنا قصص وعنا حكايات
وعنا طموح
وعنا أفكار وعنا أحلام
هذه كلها راحت
مطالبي في النهاية
إنّه يوقفوا الحرب
مطالبي إنّه من ٥-٢ تحويلتي موجودة
ليش ما أسافر
لو مسافرتش أنا
وهذا العلاج مش موجود في غزة
تاع العظم
ممكن تضرب إيدي ويصير بدها بتر
وخلص ترجع للبتر
احنا أنقذناها من البتر
نرجع للبتر كمان مرّة
هلقيت لحد الآن شبح البتر قد يكون موجود
طب هذه حياة!