لبرنامج "عدل بودكاست" رفعت الصباح: الحق في التعليم يواجه تهديداً غير مسبوق في التاريخ الفلسطيني
لبرنامج "عدل بودكاست".. رفعت الصباح: الحق في التعليم يواجه تهديداً غير مسبوق في التاريخ الفلسطيني
- التعليم الفلسطيني يواجه "إبادة ممنهجة" منذ اندلاع الحرب على غزة
- الاحتلال يمارس إبادة جماعية ضد التعليم الفلسطيني
- حماية التعليم مسؤولية المؤسسات الرسمية والمجتمعية
- صمت المجتمع الدولي يجعله شريكا في الجريمة
حذّر الأستاذ رفعت الصباح، رئيس الحملة العالمية للتعليم ومدير عام مركز إبداع المعلم، من أن قطاع التعليم في فلسطين يتعرض لـ"إبادة ممنهجة" منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مشددًا على أن استهداف المدارس والجامعات لم يعد مجرد تدمير للمباني، بل ضربًا لكل العناصر الممكنة لاستمرار العملية التعليمية.
تدمير واسع النطاق
وأوضح الصباح أن آخر الإحصاءات حتى شهر آب/أغسطس 2025 تشير إلى تدمير أكثر من 204 مؤسسة تعليمية، بينها نحو 119 مدرسة و14 جامعة بشكل كامل، فيما تجاوز حجم الدمار 300 مؤسسة تعليمية بين مدارس حكومية وخاصة وجامعات. وأضاف أن "الأمر أخطر من الأرقام، إذ إن البنية التحتية الأساسية اللازمة للعملية التعليمية تعطلت بالكامل، ما يجعل حتى المؤسسات التي صمدت غير قادرة على العمل".
وأشار في حلقة جديدة من برنامج "عدل بودكاست" الذي تنتجه الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" عبر شبكة وطن الإعلامية، إلى أن أكثر من 13 ألف طالب استشهدوا منذ بداية الحرب، إلى جانب مئات من المعلمين، فضلاً عن آلاف الجرحى من الطواقم التدريسية والطلبة. واعتبر أن "النزوح الجماعي للملايين شكل ضربة قاصمة لاستمرارية التعليم، حيث تحولت المدارس إلى مراكز إيواء، ما أدى إلى شلل كامل في العملية التعليمية".
مبادرات مجتمعية في قلب الكارثة
وبين الصباح أن مؤسسات المجتمع المدني ووكالة الغوث و"اليونيسف" ومنظمة "أنقذوا الطفل" سارعت منذ الأيام الأولى للنزوح إلى إطلاق مبادرات لدعم الأطفال نفسيًا واجتماعيًا. ومع استمرار الحرب، تطورت هذه الجهود إلى مبادرات تعليمية بديلة تقوم على تدريس أساسيات اللغة العربية والرياضيات والإنجليزية، مع إدماج الدعم النفسي والاجتماعي.
وكشف الصباح أن مركز "إبداع المعلم" وحده أسس أكثر من 40 مبادرة تحت مسمى "مدارس بلا جدران"، تقوم على استغلال المساحات المتاحة في المخيمات أو بين الأبنية المهدمة لعقد صفوف دراسية مؤقتة. وأضاف: "الفكرة ليست في القراءة والكتابة فقط، بل في توفير شعور بالأمان للأطفال. كثير من الطلاب أكدوا أنهم يشعرون بالطمأنينة داخل هذه الملتقيات رغم القصف المتواصل".
التعليم بين الحياة والموت
وروى الصباح حادثة تعرض إحدى الملتقيات التعليمية للقصف قبل أيام، ما أدى إلى استشهاد أحد الطلبة وإصابة آخرين. وقال: "رغم ذلك، يصر الأطفال والمعلمون على الاستمرار. هذه الحالة تعكس قوة الإرادة الفلسطينية، وقدرة المجتمع على تحويل الركام إلى فضاءات للتعلم".
وأوضح أن هذه المبادرات لا تقتصر على التعليم النظامي للأطفال، بل تمتد إلى برامج "التعليم الشعبي" أو تعليم الكبار، لإكساب فئات واسعة مهارات حياتية تمكنها من مواجهة الظروف الصعبة.
الخسارة في الفاقد التعليمي والنفسي والاجتماعي
وأشار الصباح إلى أن الحرب عمّقت أزمة "الفاقد التعليمي" التي كانت قائمة منذ جائحة كورونا، ما ينذر بمستويات غير مسبوقة من التسرب المدرسي وارتفاع معدلات الأمية في فلسطين، بعد أن كانت من أدنى المستويات عالميًا.
وأضاف: "الخسارة ليست تعليمية فقط، بل نفسية واجتماعية وأخلاقية أيضًا. عندما يرى الأطفال أشلاء زملائهم في ساحة المدرسة، فإن الآثار العاطفية العميقة لا تقل خطورة عن خسارة الدروس".
صمت المجتمع الدولي يجعله شريكا في الجريمة
وانتقد الصباح صمت المؤسسات الدولية، قائلًا: "المطلوب ليس فقط إرسال الغذاء أو تنظيم ملتقيات تعليمية، بل اتخاذ مواقف سياسية واضحة ضد الإبادة. صمت المؤسسات الأممية، سواء كان نتيجة خوف أو عجز أو حسابات تمويلية، يجعلها شريكة في الجريمة".
ودعا إلى تحرك عاجل في محكمة الجنايات الدولية لمحاسبة الاحتلال على انتهاكاته بحق التعليم، مستندًا إلى القانون الدولي الذي يكفل الحق في الوصول الآمن إلى المدارس حتى في حالات النزاع.
الاحتلال يعمل على تعطيل التعليم في الضفة
ولفت الصباح إلى أن الحرب على غزة ترافقت مع هجمات متزايدة على المدارس والتجمعات البدوية في الضفة الغربية، خصوصًا في منطقة أريحا ومسافر يطا. وقال: "تم اقتلاع تجمعات بدوية بأكملها مثل عرب المليحات، وهاجمت قوات الاحتلال والمستوطنون أي محاولات لإقامة مدارس مؤقتة لهم".
وأضاف أن "الاحتلال لا يكتفي بالقصف والحصار، بل يمارس أيضًا أدوات اقتصادية لتعطيل التعليم مثل وقف تحويل أموال المقاصة التي تمثل شريانًا رئيسيًا لتمويل وزارة التربية والتعليم".
حماية التعليم مسؤولية المؤسسات الرسمية والمجتمعية
واختتم الصباح حديثه بالتشديد على أن القوة الحقيقية تكمن في الداخل الفلسطيني، إذ لا يمكن الركون بشكل كامل إلى المؤسسات الدولية التي أثبتت عجزها أو صمتها أمام جرائم الاحتلال. ورأى أن المؤسسات الفلسطينية الرسمية والمجتمعية مطالبة بقيادة معركة حماية التعليم، مستندة إلى خبرة طويلة في إدارة الأزمات وقدرة على تحويل المبادرات المحلية إلى بدائل فاعلة.
كما دعا إلى ضرورة توحيد الجهود وتنسيقها بين مختلف المكونات التي تعمل في قطاع التعليم، بحيث يتم وضع خطط استراتيجية لمواجهة الفاقد التعليمي وتقليص خطر التسرب المدرسي، بما يضمن عدم تفاقم معدلات الأمية التي تهدد المجتمع الفلسطيني بعد سنوات من التميز التعليمي.
وشدد الصباح على أهمية التوثيق والرصد المنهجي للانتهاكات الإسرائيلية بحق التعليم، بحيث لا تبقى مجرد أرقام جامدة، بل تتحول إلى شهادات حيّة تعكس الأبعاد النفسية والاجتماعية والإنسانية لما يتعرض له الطلبة والمعلمون. ورأى أن توثيق هذه الأبعاد يشكّل مادة أساسية للضغط على المؤسسات الدولية والحقوقية.
وأكد أن المساءلة الدولية لا بد أن تكون جزءًا من المعركة، داعيًا إلى تحرك جاد في محكمة الجنايات الدولية من أجل محاسبة الاحتلال على جرائمه بحق التعليم، والتأكد من أن المجتمع الدولي يلتزم بما أعلنه من أهداف، وعلى رأسها الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة الذي ينص على ضمان تعليم جيد ومنصف للجميع.