د. سعيد أبو معلا : الدول التي تحترم شعوبها تضع قانون الحق في المعلومة ضمن منجزاتها الحضارية

Content Cover

د. سعيد أبو معلا : الدول التي تحترم شعوبها تضع قانون الحق في المعلومة ضمن منجزاتها الحضارية

أكد الدكتور سعيد أبو معلا رئيس قسم الإعلام الرقمي في الجامعة العربية الأمريكية، أن حق الحصول على المعلومات يُعدّ من أهم حقوق الإنسان الأساسية، كونه يشكل حجر الأساس لممارسة حرية الرأي والتعبير، ويضمن مشاركة المواطنين في الحياة السياسية والاجتماعية على نحو واعٍ وفعّال.

وقال أبو معلا في حديثه لبرنامج عدل بودكاست من إنتاج الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان عبر شبكة وطن الإعلامية، إن حق الوصول إلى المعلومات ليس حقاً للصحفيين فقط، بل حق للمواطن العادي الذي يحتاج إلى معرفة ما يجري داخل مؤسسات الدولة والمجالس البلدية والقروية والوزارات الرسمية، مضيفًا أن هذا الحق يُمكّن المواطن من مراقبة أداء المسؤولين ومحاسبتهم واتخاذ قراراته السياسية على أسس موضوعية.

وأشار أبو معلا إلى أن عدم وجود قانون يضمن للمواطن الفلسطيني حقه في الحصول على المعلومات يُعدّ "انتهاكاً صريحاً للحريات العامة"، لأنه يحرم المواطن من حقه في المعرفة، ويقوّض قدرته على ممارسة حقوقه السياسية والاجتماعية، مثل الانتخاب والمساءلة والمشاركة العامة.

وأضاف:"كيف يمكن للمواطن أن يصوّت أو يختار من يمثله في المجلس التشريعي أو البلديات، وهو لا يمتلك معلومات دقيقة وموثقة عن أداء المسؤولين؟ إن غياب المعلومات الموثوقة يجعل من العملية الديمقراطية شكلية، ويمنع المواطن من ممارسة دوره الرقابي الحقيقي".

وأوضح أن العديد من الدول تعتبر قانون حق الحصول على المعلومات منجزاً حضارياً وديمقراطياً يعزز قيم الشفافية والمساءلة، مؤكداً أن الحديث عن الشفافية في ظل غياب هذا القانون "مجرد شعار فارغ لا يحمل أي قيمة حقيقية".

وأشار إلى أن انتشار الإشاعات في المجتمع الفلسطيني خلال السنوات الأخيرة هو نتيجة مباشرة لغياب المعلومات الرسمية والدقيقة، "حين تُحجب المعلومات عن الناس، يصبح من الطبيعي أن يلجؤوا إلى التأليف أو تداول الإشاعات. المواطن لا يستطيع الانتظار طويلاً أمام قضايا تمس حياته اليومية دون تفسير أو توضيح من الجهات الرسمية". لافتاً إلى أن الصحفيين بطبيعة مهنتهم يمتلكون أدوات تساعدهم على البحث والوصول إلى المعلومة بطرق مختلفة، لكن المواطن العادي يظل الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، ما يجعله فريسة سهلة للإشاعات والتضليل الإعلامي.

وقال أبو معلا إن قانون حق الحصول على المعلومات مطروح على أجندة الصحفيين والمؤسسات الحقوقية الفلسطينية منذ أكثر من عشرين عاماً، إلا أنه "لم يجد طريقه إلى الإقرار حتى اليوم"، مشيراً إلى أن "الملف لا يبدو أنه من أولويات الحكومة أو صناع القرار".

وأضاف موضحًا:"ما المبرر لعدم إقرار قانون بهذا الحجم؟ ما المبرر لجعل المواطنين يعيشون في حالة من الحيرة وعدم اليقين؟ منح المواطن المعلومة هو تعبير عن احترامه، وليس منّة من أحد، لأنه أساس تقييم أداء الحكومات والمؤسسات العامة".

واعتبر أن إقرار القانون يجب أن يكون البند الأول في أجندة الإصلاح السياسي والديمقراطي في فلسطين، لأن "كل عملية إصلاح حقيقية تبدأ من الشفافية، والشفافية لا تتحقق إلا من خلال الحق في الحصول على المعلومات".

من جهة أخرى انتقد أبو معلا واقع حرية الصحافة والرأي والتعبير في فلسطين، واصفاً إياه بأنه "من أسوأ المراحل خلال العقدين الأخيرين"، مشيرًا إلى أن تراجع الحريات وازدياد الرقابة الذاتية بين الصحفيين ناتج عن ضعف النظام السياسي وغياب المساءلة.

وأوضح أن:"كلما ضعف النظام السياسي، كلما أصبح أكثر قمعاً وخوفاً من النقد، وأكثر ميلاً لفرض القيود على حرية التعبير". مشيراً لوجود ثلاث مستويات من القمع يتعرض لها المجتمع الفلسطيني، القمع الإسرائيلي، الذي يسعى لإسكات الصوت الفلسطيني في الفضاء الرقمي والإعلامي. القمع السياسي الداخلي، الذي تزايد بعد السابع من أكتوبر. والقمع الاجتماعي والديني، الذي يحدّ من حرية الأفراد في التعبير عن آرائهم داخل المجتمع.

وأكد أن استمرار هذا الواقع "يضعف البنية الإعلامية الفلسطينية، ويقوّض قدرة الصحافة على أداء دورها الوطني في مواجهة الاحتلال ونشر الوعي".

أشار أبو معلا إلى أن الجامعات الفلسطينية تلعب دوراً محورياً في تعزيز ثقافة الحق في الحصول على المعلومات، من خلال إدراج هذا المفهوم ضمن مساقات الصحافة الاستقصائية وأخلاقيات الإعلام، موضحاً أن الطلاب يجب أن يدركوا أن هذا الحق هو أساس المهنة الصحفية الحرة والمسؤولة.

وقال:"الجامعات يجب أن تكون جزءاً من الحالة الوطنية الضاغطة لإقرار القانون، لأننا نريد بيئة أكاديمية وصحفية قائمة على المعرفة، وليس على الاجتهادات الشخصية أو التسريبات".

وشدد أبو معلا على أن إقرار قانون حق الحصول على المعلومات يخدم جميع الأطراف: المواطن، والصحفي، والجهات الرسمية، لأنه يحمي الحكومة من الإشاعات ويحصّنها أمام النقد، كما يمنح المواطن الثقة في مؤسسات بلده.

وأضاف أن "غياب الإرادة السياسية" هو العقبة الرئيسية أمام إقرار القانون، موضحاً أن بعض الجهات تبرر تأخيره بـ"الظروف الأمنية أو السياسية"، بينما الحقيقة – كما قال – "أن هناك فيتو غير معلن من بعض الأجهزة السيادية يمنع صدوره، وهو أمر مؤسف لأنه لا يخدم المصلحة الوطنية العليا".

وأكد أن الوقت قد حان لتحويل الجهود إلى حراك وطني ضاغط تشارك فيه النقابات والمؤسسات الحقوقية والجامعات، للمطالبة الجادة بإقرار القانون، "يجب ألا يبقى هذا الملف ضمن خانة الوعود، بل يجب أن يتحول إلى التزام رسمي معلن، لأن كل تأخير فيه يضعف ثقة المواطن بدولته ويكرس بيئة الخوف والتعتيم".

ودعا الدكتور سعيد أبو معلا إلى أن يكون قانون حق الحصول على المعلومات تكريماً لروح الصحفيين الفلسطينيين الذين قدموا حياتهم في سبيل الحقيقة، "نتحدث عن أكثر من 250 صحفياً استشهدوا و50 ما زالوا معتقلين، هؤلاء يستحقون أن يُكرّموا بإقرار هذا القانون، لأنه ضمانة لاستمرار رسالتهم في كشف الحقيقة وبناء دولة فلسطينية شفافة تحترم عقل مواطنيها". وطموحي أن نصل إلى دولة فلسطينية حديثة، ديمقراطية، تحاكي أرقى التجارب الأوروبية في احترام الإنسان وحقوقه، لأننا شعب يستحق أن يعيش بحرية وكرامة ومعرفة".