كلمة د. عمار الدويك على هامش اجتماعات التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في جنيف
كلمة د. عمار الدويك مدير عام الهية المستقلة لحقوق الإنسان خلال الندوة التي نظمتها الشبكة العربية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" على هامش اجتماعات التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في جنيف.
السيدات والسادة،
يشرفني أن أخاطبكم اليوم في هذا الحدث الجانبي الهام، المنعقد على هامش الاجتماع السنوي للتحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان لعام 2026، هنا في قصر الأمم.
أتحدث إليكم بصفتي ممثلاً عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في فلسطين، من واقعٍ لا تُعد فيه التحديات التي نناقشها مجرد مفاهيم نظرية، بل حقائق معيشة يومياً.
إن ما نشهده اليوم لا يُمكن اعتباره انتكاسة عابرة، بل يمثل تحولاً خطيراً وعميقاً في كيفية التعامل مع القانون الدولي ومنظومة حقوق الإنسان متعددة الأطراف.
لقد أصبحت هذه المنظومة موضع تحدٍ علني، بل واستهداف مباشر في بعض الحالات.
ويتجلى ذلك في الإجراءات المتخذة بحق المكلفين بولايات الأمم المتحدة لمجرد قيامهم بمهامهم. ومن أبرز الأمثلة على ذلك استهداف المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، السيدة فرانشيسكا ألبانيزي، التي تعرضت لضغوط سياسية وعقوبات بسبب أدائها لولايتها.
كما يتجلى هذا الاتجاه في الإجراءات التشريعية، بما في ذلك القوانين التي اعتمدها الكونغرس الأمريكي، والتي تتيح فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، وعلى الأفراد والجهات المتعاونة معها.
وقد دخلت هذه الإجراءات حيّز التنفيذ بالفعل، حيث فُرضت عقوبات على قضاة ومسؤولين في المحكمة، وكذلك على منظمات مجتمع مدني فلسطينية، لمجرد انخراطها في جهود المساءلة.
وفي السياق ذاته، نشهد استهدافاً مباشراً لوكالات الأمم المتحدة العاملة على الأرض، وفي مقدمتها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، من خلال الهجمات السياسية، ومحاولات تجريم أنشطتها من قبل إسرائيل، وحملات نزع الشرعية عنها، وتقليص تمويلها، رغم دورها الإنساني الحيوي لملايين اللاجئين الفلسطينيين.
وفي موازاة ذلك، يبرز تراجع مقلق في تمويل منظومة الأمم المتحدة، الأمر الذي يقوّض قدرتها على الاضطلاع بمهامها بفعالية.
الزملاء الكرام،
إن هذه التطورات ليست منفصلة، بل مترابطة، وتأثيراتها عميقة ومتراكمة.
فعندما تُستهدف مؤسسات مثل المحكمة الجنائية الدولية، فإن الرسالة تكون واضحة: المساءلة لم تعد مبدأً ثابتاً، بل أصبحت رهينة للاعتبارات السياسية.
وعندما تُقوَّض آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، تتراجع فعالية الرقابة والمساءلة.
وعندما تُضعف الوكالات الإنسانية مثل الأونروا، تتآكل منظومة الحماية على الأرض.
وعندما يتراجع التمويل، تنكمش المنظومة بأكملها.
ولا تقتصر تداعيات ذلك على المستوى الدولي، بل تمتد لتطال السياقات الوطنية.
فعندما تدرك الحكومات أن القانون الدولي يمكن تجاوزه دون تبعات، يتراجع الالتزام بحقوق الإنسان على المستوى الداخلي.
وعندما تضعف المعايير الدولية، تنعكس آثار ذلك مباشرة على منظومات الحماية الوطنية.
وعندما تتلاشى المساءلة عالمياً، تتآكل محلياً.
وبالنسبة لنا كفلسطينيين، فإن هذا الواقع ليس جديداً.
لقد خبرنا، على مدى سنوات طويلة، حدود — بل وأحياناً إخفاق — النظام الدولي في تنفيذ قراراته.
وشهدنا كيف يمكن تجاهل القرارات الدولية، بما في ذلك الصادرة عن محكمة العدل الدولية، دون أي تبعات فعلية.
كما عايشنا تطبيقاً انتقائياً للقانون الدولي، مما قوض مصداقيته على أرض الواقع.
غير أن ما نشهده اليوم يتجاوز ذلك إلى مستوى أكثر خطورة.
فنحن ننتقل من عالم المعايير المزدوجة،
إلى عالم يغيب فيه أي معيار.
عالم لا يحكمه سوى ميزان القوة.
وإذا لم يتم التصدي لهذا المسار، فإننا نتجه نحو نظام تهيمن فيه القوة على حساب القانون، عالم أقرب إلى الفوضى منه إلى نظام دولي قائم على القواعد.
الزملاء الكرام،
ورغم كل ما سبق، لا بد من التأكيد على حقيقة جوهرية:
إن النظام الدولي، على ما فيه من نواقص، يظل ضرورة لا غنى عنها.
فهو ليس مثالياً، لكنه أساسي.
وليس دائماً فعالاً، لكنه يشكل الإطار الأدنى الذي ينبغي تعزيزه لا تقويضه.
ومن هنا تبرز الأهمية المحورية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
فهي ستكون من أوائل الجهات المتأثرة بتآكل هذا النظام، لكنها في الوقت ذاته من أبرز الفاعلين القادرين على مقاومته.
وتتمثل مسؤولياتنا اليوم في ما يلي:
أولاً: التعبير بوضوح وحزم عن رفض استهداف المؤسسات الدولية وآليات حقوق الإنسان، إذ إن الصمت في هذه المرحلة لا يُعد حياداً، بل تواطؤاً.
ثانياً: العمل على حث الحكومات لاتخاذ مواقف صريحة داعمة للقانون الدولي، ولضمان استقلال المؤسسات الدولية، وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية وآليات مجلس حقوق الإنسان.
ثالثاً: تعزيز أطر التعاون فيما بيننا، سواء ضمن التحالف العالمي أو من خلال الشبكات الإقليمية.
رابعاً: توسيع الشراكات مع منظمات المجتمع المدني، لبناء تحالفات واسعة قادرة على الدفاع عن النظام الدولي ومساندة الجهات المستهدفة.
خامساً: الإسهام الفاعل في جهود إصلاح منظومة الأمم المتحدة، بما يعزز فعاليتها، ويرسخ المساءلة، ويحقق قدراً أكبر من العدالة والتوازن.
أصحاب السعادة،
إن الدفاع عن القانون الدولي ليس مسؤولية منطقة بعينها، بل هو التزام مشترك بين دول الجنوب العالمي ودول الشمال على حد سواء.
فالقواعد ليست حكراً على الضعفاء، بل هي ضرورة للجميع.
وحتى الدول الأكثر قوة تعتمد، في نهاية المطاف، على نظام تحكمه القواعد لا موازين القوة، لا سيما في عالم تتبدل فيه مراكز النفوذ باستمرار.
وإذا سمحنا بتآكل هذه القواعد، فلن نكون أمام نظام أكثر مرونة، بل أمام نظام أكثر خطورة واضطراباً.
وفي الختام: إما أن ندافع عن القانون الدولي، أو نقبل بعالم تحكمه القوة وحدها.
شكراً لكم

