بهدف تمكين صانع القرار وأصحاب العلاقة من التدخل الفاعل لتعزيز صمودها نتائج المسح الميداني للتجمعات البدوية والرعوية في الضفة الغربية المحتلة

Content Cover

 

بهدف تمكين صانع القرار وأصحاب العلاقة من التدخل الفاعل لتعزيز صمودها

نتائج المسح الميداني للتجمعات البدوية والرعوية في الضفة الغربية المحتلة

تم الإعلان خلال مؤتمر خاص نظمته الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" بالتعاون مع الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، نتائج مسح التجمعات البدوية والرعوية في الضفة الغربية المحتلة، وشهد المؤتمر الذي عُقد بمدينة البيرة في السابع عشر من تموز/ يوليو 2026، مشاركة واسعة لممثلين عن المؤسسات الرسمية والوزرات ذات العلاقة، ومؤسسات دولية وأممية ومؤسسات المجتمع المدني في تعبير واضح عن الاهتمام المتصاعد بأوضاع المجتمعات البدوية والرعوية التي باتت تمثل إحدى أكثر الحالات الإنسانية إلحاحا في الضفة الغربية.

جاء انعقاد هذا المؤتمر تجسيدا للمسؤولية المشتركة ما بين الهيئة المستقلة والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، للكشف عن الواقع الذي تعيشه التجمعات البدوية والرعوية، والتي تشكل جزءً أصيلا من النسيج الجغرافي والإنساني الفلسطيني. فقد حافظ أبناء هذه التجمعات على مدى عقود على نمط حياتهم القائم على الرعي والزراعة التقليدية، غير أنهم يواجهون اليوم تحديات متصاعدة تهدد وجودهم واستقرارهم في مواجهة سياسات ممنهجة تستهدف اقتلاعهم من أراضيهم.

يهدف المسح الى توفير قاعدة بيانات موثوقة ومحدثة تُمكن صانعي القرار والمنظمات الحقوقية والتنموية والإعلامية من الاطلاع على أوضاع هذه المناطق، وتوجيه التدخلات الفاعلة الكفيلة بصون حقوق سكانها وتعزيز صمودهم في مواجهة السياسات الاستعمارية الإسرائيلية.

اعتمد المسح منهجية علمية صارمة، إذ استند في بناء إطار عيّنته إلى قائمة التجمعات البدوية والرعوية المحدَّثة الصادرة عن منظمة أوتشا (OCHA)، وصُمِّمت عيّنة طبقية عنقودية عشوائية منتظمة ذات مرحلتَين، شملت 31 تجمعاً بدوياً ورعوياً موزّعة على 11 محافظة في الضفة الغربية. وقد استُهدف حجم عيّنة يبلغ 465 أسرة بواقع 15 أسرة من كل تجمع، فيما بلغت الاستجابة الفعلية 453 أسرة أي ما يعادل 97% من العيّنة الكلية، مع تحقيق نسبة استجابة 100% في استمارات رؤساء التجمعات الـ31. اشتملت أداة البحث على استمارتَين: الأولى أسرية مكوّنة من عشرة أقسام تُغطي الخصائص الديموغرافية والسكن والمساعدات والدخل وحرية التنقل والحق في الصحة والحماية والتهديدات والمشاركة السياسية، والثانية موجّهة إلى رؤساء التجمعات وتُغطي مؤشرات التعليم والصحة والخدمات والبنية التحتية والحماية والأمن الداخلي والعنف الأسري.

نفّذ "الإحصاء الفلسطيني" عمليات جمع البيانات بالاعتماد على منظومة تقنية متكاملة تشمل الأجهزة اللوحية مدعومةً بتطبيق إلكتروني مخصّص وقواعد تدقيق آلي فورية ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، ما أتاح ربط البيانات بالبُعد الجغرافي وضمان دقتها واتّساقها في الوقت الفعلي. وسبقت التنفيذَ الميدانيَّ دورةٌ تدريبية مدّتها أربعة أيام برام الله، شارك فيها 33 باحثاً ومشرفاً من جميع محافظات الضفة الغربية، ثم انطلق جمع البيانات الميداني في السادس من كانون الثاني/يناير 2026.

واجهت عمليات المسح تحديات ميدانية جسيمة، أبرزها التنقّل المستمر للأسر البدوية جراء ممارسات الاحتلال، فضلاً عن رفض سلطات الاحتلال منح تصاريح دخول لبعض التجمعات، مما اضطرّ الفريق إلى جمع البيانات هاتفياً.

أبرز نتائج المسح

كشف المسح عن بنية سكانية شابّة وفتيّة؛ إذ يشكّل الأطفال دون سنّ العاشرة ما يزيد على 32% من إجمالي السكان، في حين يُصنَّف 53.7% منهم كلاجئين، من بينهم 51.3% مسجّلون لدى وكالة الأونروا، وهو ما يعني أن هذه التجمعات تجمع في آنٍ واحد بين ثقل التهجير التاريخي عام 1948 وتهديدات الاقتلاع الراهن.

تعيش تجمعات البدو في ظل هشاشة إنسانية بالغة تتجلى في طبيعة مساكنها؛ إذ يقطن نحو نصف الأسر في مساكن مؤقتة من خيام (11.7%) وبراكيات (21.5%) وكرفانات (6.7%) وبركسات (10.4%)، وتقتصر أكثر من 55% من هذه المساكن على غرفة واحدة تعكس اكتظاظاً حاداً وانعداماً للخصوصية. وتمتد الأزمة إلى البنية التحتية برمّتها؛ فأكثر من 30% من الأسر تعتمد على الصهاريج المنقولة للحصول على المياه، فيما يلجأ 29.8% إلى شبكة المياه الإسرائيلية، وتُفيد 68% من التجمعات بانعدام مصادر المياه الدائمة. أما الصرف الصحي فيكاد يكون غائباً، إذ لا يستفيد سوى 3.1% من الأسر من شبكة صرف صحي عامة، ويلجأ 6% منها إلى قضاء حاجتها في العراء. وتُكمل أزمة النفايات هذه الصورة القاتمة؛ إذ تحرق 80.5% من الأسر نفاياتها لغياب أي خدمة جمع منظّمة في 81.5% من التجمعات، فيما يفتقر 61.6% منها إلى طرق معبّدة.

الواقع التعليمي

ويُفصح واقع التعليم في هذه التجمعات عن أزمة مركّبة الأسباب؛ فـ13.7% من الأبناء لم يلتحقوا بالتعليم قط، وتتصدر الأسباب الدافعة إلى ترك المدرسة الضائقةُ الاقتصادية للأسرة بنسبة 29.4%، يليها غياب مدرسة قريبة بنسبة 12.5%. ويصل 66.8% من الطلاب إلى مدارسهم مشياً على الأقدام، في حين تقع مدارس 29% من التجمعات على بُعد يتجاوز ثلاثة كيلومترات عن مناطق سكنها.

البنية الاقتصادية

وتتسم البنية الاقتصادية لهذه الأسر بالهشاشة والتذبذب؛ فـ19.5% من العاملين يعملون بلا أجر، و28.2% بأجر غير منتظم، ويتمحور النشاط الاقتصادي بصورة رئيسية حول الزراعة والرعي بنسبة 58.1%. ويضطر 16.5% من العمال إلى الالتحاق بسوق العمل الإسرائيلي أو في المستوطنات. وقد لجأت 25.3% من الأسر إلى المساعدات الغذائية خلال النصف الثاني من عام 2025، في دلالة صريحة على عمق الهشاشة الغذائية التي تُخيّم على هذه التجمعات.

انتهاكات ممنهجة

وتكشف بيانات المسح عن منظومة انتهاكات ممنهجة تطال هذه التجمعات على مستويات متعددة ومتشابكة. فعلى صعيد التهجير ومصادرة الأرض، أفاد 67.7% من التجمعات بتعرّضها للنزوح القسري خلال العامين الماضيين، وأعلنت 92% منها تعرّضها لمصادرة الممتلكات ومصادر الرزق. وقد أغلقت سلطات الاحتلال المراعي وسيطرت عليها في 91.9% من التجمعات، فيما تلقّت 52.8% من الأسر إخطارات هدم نُفّذ فعلياً في ما يقارب 79.3% من التجمعات، في حين يعاني 92.8% منها من إغلاق الطرق المؤدية إليها.

وتتجاوز الانتهاكات حدود المصادرة المادية لتطال الأشخاص في أمانهم وكرامتهم؛ إذ تعرّضت 85.6% من الأسر للمضايقة من قوات الاحتلال أو المستوطنين أو كليهما، وتعرّضت 89.7% من التجمعات للاعتداء الجسدي بالضرب والإذلال والشتم. وطالت هجمات المستوطنين 85.6% من التجمعات، فيما تصف 81.3% من الأسر تعرّضها للإهانة اللفظية، وتعرّضت 39.6% منها لإطلاق النار، و33.3% لاعتقال أحد أفرادها.

صعوبة الوصول للخدمات

وعلى صعيد تقييد الوصول إلى الخدمات، تُعزى 92.9% من صعوبات الوصول إلى الأراضي الزراعية إلى قيود الحركة والحواجز الإسرائيلية، ويُعاني 62.1% من الأسر من صعوبة كبيرة في الوصول إلى المرافق الصحية، ويُعزى 90.7% من هذه الصعوبات إلى الحواجز والقيود، فيما يُشير 83.1% من الأسر التي تواجه عقبات في الوصول إلى المدارس إلى الحواجز العسكرية سبباً رئيسياً. ويُعمّق هذا المشهد أن 90.6% من الأسر لا تشعر بالأمان في مناطقها، في مقابل حصول 2.5% فحسب على أي شكل من أشكال الحماية الرسمية أو الدولية، فضلاً عن غياب المتابعة الفلسطينية الرسمية عن ملفات أكثر من 55% من التجمعات التي تعرّضت للاعتداء.

انعدام الأمن

فيما يخص الشعور بالأمن، تكشف البيانات عن واقع بالغ الهشاشة؛ إذ لا يشعر سوى 7.2% من سكان التجمعات بالأمان أثناء التنقل داخل مناطقهم، وتنخفض هذه النسبة إلى 3.4% فحسب عند التنقل من وإلى المنطقة. ويعكس هذا الشعور المتجذّر بانعدام الأمان غيابَ الحماية الفعلية؛ فلا تزور الأجهزة الأمنية أو المؤسسات الرسمية هذه المناطق بشكل دوري إلا في 7.5% من الحالات، ولا تتدخل الشرطة في حفظ الأمن عند وقوع النزاعات إلا في 18% منها. إضافة الى أن جميع مراكز الشرطة تقع على بُعد يتجاوز ثلاثة كيلومترات من هذه التجمعات دون استثناء.  كما ابرزت عن ضعف ثقة سكان التجمعات بالجهات الرسمية، حيث لا تثق سوى 8.4% من الأسر بقدرة الجهات الرسمية على التدخل والحماية عند التعرض لاعتداء أو تهديد، ووصف ما نسبته 5.5% منها دور الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالفعّال في حمايتها. وعبر ما نسبته  83.6% من التجمعات عن حاجة ماسّة لتوفير جهات حماية أقرب وأكثر فاعلية.

السلم الأهلي

أما على صعيد السلم الأهلي؛ وصف  80.5% من رؤساء المناطق الوضع العام للسلم الأهلي بأنه مستقر وآمن، فيما يُقرّ 12.7% بوجود بعض المشكلات، ولا تصل نسبة التوترات الجدية إلى 6.8%. وتمثل  النزاعات العائلية أو العشائرية  ابز النزاعات، بنسبة 38.9%، تليها الخلافات على الأراضي والموارد الطبيعية بنسبة 30.7%.

وتعتمد التجمعات في حل خلافاتها اعتمادا كبيرا  على آليات الوساطة التقليدية؛ إذ يلجأ 98.7% منها إلى الوجهاء وكبار المنطقة، و49.8% إلى رجال الإصلاح والجاهة.  في حين لا تلجأ سوى 5.4% إلى المؤسسات الرسمية كالشرطة والقضاء. ولم تشهد 26.3% من التجمعات أي نزاعات خلال الاثني عشر شهراً الماضية. . لكن التماسك الداخلي يظل رهينا بجهود فردية ومجتمعية في غياب شبه تام للدعم المؤسسي؛ فلا تتوفر مبادرات محلية لتعزيز السلم المجتمعي إلا في 38.3% من التجمعات، ولا تشارك النساء والشباب في جهود حل النزاعات إلا في 26.6% منها.

العنف الأسري

وفيما يتعلق بالعنف الأسري، تشير البيانات إلى أن 80.8% من رؤساء المناطق لا يرون في العنف الأسري مشكلة في تجمعاتهم، فيما يُقرّ 19.2% بأنه يمثل مشكلة متوسطة. وحين يحدث هذا العنف، يتخذ في غالبيته شكل العنف اللفظي من شتائم وإهانات وتهديد بنسبة 62.2%، فيما يمثل العنف الجسدي 13.1% من الحالات. غير أن هذا الواقع يعكس هشاشة في منظومة الاستجابة والحماية؛ إذ تخلو 79.1% من التجمعات من أي آلية أو جهة محلية للتعامل مع حالات العنف الأسري، ووعدم توافر برامج التوعية والحملات التثقيفية عن 83% منها. ويزداد الوضع تعقيدا حين تُؤخذ بعين الاعتبار طبيعة هذه المجتمعات المنغلقة جغرافياً واجتماعيا.

تهميش سياسي

وفي سياق التهميش السياسي، يُعبر 91.7% من سكان هذه التجمعات عن إحساس عميق بالإقصاء من المشهد السياسي، وتفتقر 56.1% منها إلى أي هيئة محلية تمثّلها. ويؤكد 90.8% من الأسر ضرورة إنشاء كيان تمثيلي وطني مستقل، في تعبير واضح عن وعي جمعي بعمق الغبن الحقوقي والسياسي الذي يطالهم.

ولا تقف دلالة هذه النتائج عند حدود الأرقام والإحصاءات، بل تتجاوزها لتكون توثيقا  لسياسة استعمارية ممنهجة تتخذ من الترهيب والتضييق والهدم والتهجير أدوات لتفريغ الضفة الغربية من مجتمعاتها البدوية الأصيلة. ويقع أبناء هذه التجمعات في نقطة التقاطع الأقسى بين إرث التهجير التاريخي عام 1948 وتهديدات الاقتلاع الراهن.

يشكل هذا الواقع خللا كبيرا  بين ارتفاع نسب الانتهاكات وانعدام الحماية يستوجب مراجعة جذرية في طبيعة التدخل الوطني والدولي، وتُشكّل بيانات هذا المسح المرجع الموثوق الذي ينبغي أن يرتكز عليه هذا التدخل.

في ضوء ما كشفت عنه نتائج هذا المسح، يدعو القائمون على المؤتمر إلى اعتماد بياناته مرجعا رسميا في خطط التنمية والحماية الموجهة لهذه التجمعات، والعمل الفوري على توفير خدمات البنية التحتية الأساسية، وإنشاء كيان تمثيلي مستقل للتجمعات البدوية والرعوية على المستوى الوطني، استجابة لإرادة شعبية أبدتها ما يقارب 91% من الأسر المُستطلعة.

وطالب المؤتمر بتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية وتقديمها إلى هيئات الأمم المتحدة والمحاكم الدولية المعنية، وبحشد الدعم الدولي اللازم لوقف عمليات الهدم والتهجير القسري فوراً، وبتعزيز آليات المتابعة الفلسطينية الرسمية مع التجمعات المُعرَّضة للاعتداء والانتهاك، ومحاسبة الاحتلال على جرائمه المتمثلة بالتهجير القسري، والعقاب الجماعي  لهذه التجمعات.

من جانبها أعربت الهيئة عن أهمية تشكيل فريق وطني، يضطلع بمهام اعداد خطة وطنية لبلورة التدخلات اللازمة للنهوض بواقع هذه التجمعات، وتوفير الحماية لها في مواجهة خطط التهجير القسري المستمرة.

انتهى

 

 

مرفق